العلامة المجلسي
442
بحار الأنوار
كان لك في عملي نصيبا ، ثم ركب فسار ما قضى الله له أن يسير ، ثم إنه نزل عن فرسه ووزيره يقود فرسه ويبكي أشد البكاء ، ويقول ليوذاسف بأي وجه أستقبل أبويك ؟ وبما أجيبهما عنك وبأي عذاب أو موت يقتلاني ، وأنت كيف تطيق العسر والأذى الذي لم تتعوده وكيف لا تستوحش وأنت لم تكن وحدك يوما قط ؟ وجسدك كيف تحمل الجوع والظمأ والتقلب على الأرض والتراب ، فسكته وعزاه ووهب له فرسه والمنطقة فجعل يقبل قدميه ويقول : لا تدعني وراءك يا سيدي اذهب بي معك حيث خرجت فإنه لا كرامة لي بعدك وإنك إن تركتني ولم تذهب بي معك خرجت في الصحراء ولم أدخل مسكنا فيه إنسان أبدا ، فسكته أيضا وعزاه ، وقال : لا تجعل في نفسك إلا خيرا فإني باعث إلى الملك وموصيه فيك أن يكرمك ويحسن إليك . ثم نزع عنه لباس الملك ودفعه إلى وزيره وقال له : البس ثيابي وأعطاه الياقوتة التي كان يجعلها في رأسه ، وقال : انطلق بها معك وفرسي وإذا أتيته فاسجد له وأعطه هذه الياقوتة وأقرئه السلام ثم الاشراف وقل لهم : إني لما نظرت فيما بين الباقي والزائل رغبت في الباقي وزهدت في الزائل ولما استبان لي أصلي وحسبي وفضلت بينهما وبين الأعداء والقرباء رفضت الأعداء والقرباء وانقطعت إلي أصلي وحسبي ، فأما والدي فإنه إذا أبصر الياقوتة طابت نفسه ، فإذا أبصر كسوتي عليك ذكرني وذكر حبي لك ومودتي إياك ، فمنعه ذلك أن يأتي إليك مكروها . ثم رجع وزيره وتقدم يوذاسف أمامه يمشي حتى بلغ فضاء واسعا فرفع رأسه فرأى شجرة عظيمة على عين من ماء أحسن ما يكون من الشجر وأكثرها فرعا وغصنا وأحلاها ثمرا ، وقد اجتمع إليها من الطير مالا يعد كثرة ، فسر بذلك المنظر وفرح به ، وتقدم إليه حتى دنا منه ، وجعل يعبره في نفسه ويفسره فشبه الشجر بالبشرى التي دعا إليها وعين الماء بالحكمة والعلم ، والطير بالناس الذين يجتمعون إليه ويقبلون منه الدين ، فبينا هو قائم إذ أتاه أربعة من الملائكة